زكريا القزويني

284

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

الدماغ نبتا يصير النابت منهما يسارا ، ونبتا يصير النابت منهما يمينا ، ثم يلتقيان على مقاطع صلبي ، ثم ينفذ النابت يمينا إلى الحدقة اليمنى والنابت يسارا إلى الحدقة اليسرى ، ولوقوع هذا التقاطع منافع ، منها : أن الروح السائل إلى أحد الحدقتين لا يكون محجوبا عن الأخرى وإذا عرضت لإحداهما آفة صار الروح الناظر من الطريقين إلى العين السليمة ، ولذلك ترى إحدى الحدقتين أقوى إبصارا إذا غمضت الأخرى لقوة اندفاع الروح الباصر إليها . وأما منافع الطبقات والرطوبات فكثيرة والحاجة إليها للطبيب ليس كتابنا بصدده ، وأما الجفن فمنشؤه من الجلد الذي هو خارج القحف والرأس ، وفيه ثلاث عضلات تأتي اثنتان من جهة الموقين ، يجذبان الجفن إلى أسفل جذبا متشابها ، وأما فتح الجفن فيكفيه عضلة واحدة تأتي من وسط الجفن فينبسط طرف وتراها على طرف الجفن ، فإذا نشجت فتحت العين ، وأما الجفن الأسفل فإنه لا عضلة فيه وجعل الأسفل أصغر من الأعلى لأن الأعلى يستر الحدقة مرة ويكشفها أخرى بتحركه ، وأما الأسفل فإنه غير متحرك ، فلو زيد على هذا القدر لستر شيئا من الحدقة دائما ولكن بفضول العين تجتمع فيه ولا يسيل ، وأما منفعته فليمنع نكاده ما يلاقي الحدقة من خارج ، ويمنع عند إطباقها وصول الغبار والدخان والشعاع ويصقل الحدقة دائما ، ويبعد عنها ما أصابها من الهباء والقذي ، وأما الأهداب فإنها بمنزلة السياج حول العين يمنع عن الحدقة بعض الأشياء التي لا يمنعها الجفن مع انفتاح العين « 1 » كما ترى عند هبوب الريح الذي يأتي بالقذي تفتح أدنى فتح وتتصل الأهداب الفوقانية بالسفلانية ، فيحصل منها شبه شباك لينظر من ورائها ، فتحصل الرؤية مع اندفاع القذي ، واللّه أعلم . 104 فصل : في الآذان ولما كانت القوة السامعة لا تفيد السمع إلا بواسطة قرع الصوت الهواء ووصول ذلك الهواء إلى الدماغ ، فاقتضت الحكمة الإلهية مجرى السمع في عظم صلب ذي عطفات وتعاريج كثيرة إلى أن ينتهي إلى عصبتين ناشئتين من الدماغ ، وذلك العصب لو كان بارزا لأضر به الهواء البارد ، فيخرج من حد الاعتدال بملاقاة أدنى برودة ؛ لأن طبعه بارد فجعل كامنا في الدماغ لهذا المعنى ، وقد جعل مجراه مفتوحا أبدا ليصل إليه الهواء المقروع دائما فيسمع ما يشاء وما لم يشأ ، ولما كان في فتحه سعة وكان متعرضا لآفات البرد والغبار ومصادمة الهواء المقروع بعنف كالرعد والصيحة العظيمة ، جعل مجراه بذا عطاف وتعاريج على هيئة اللولب لئلا يصل الهواء إلى السمع

--> ( 1 ) فاللّه عز وجل يحمي العين ويحافظ عليها من الأتربة والأوساخ وذلك لأهميتها وحساسيتها .